عبد الملك الجويني

29

نهاية المطلب في دراية المذهب

أدركت العصر فقد أدركت فريضة الظهر . ثم يخرّج ذلك على ما تقدّم ، فإن قلنا : تُدرك العصر بمقدار تكبيرة ، فتدرك الظهر به أيضاً ، وإِن شرطنا ركعةً ، فعلى ما نرى . وقال في قول آخر : إِنما تصير مدركة للصلاتين بإِدراك أربع ركعات وزيادة ، ثم تلك الزيادة تكبيرة أو ركعة على ما تقدّم . وأبو حنيفة ( 1 ) لا يجعلها مدركة لصلاة الظهر ما لم تدرك من وقت الظهر شيئاً . وتعليل مَذْهبنا أنّ وقت العصر على الجملة وقتُ الظهر في حال العذر ، والذي نحن فيه وقت الضرورة ، ولا يبعد أن يعتبر فيه وقت الضرورة بوقت العذر ، فإذا غيَّر العذرُ ترتيبَ الوقت في إِدراك الصّلاتين ، غيرت الضرورةُ حُكمَ الإِدراك ، حتى كأن من زالت ضرورته في حكم من أخر الصلاة بعذر إِلى آخر الوقت . 669 - فأمَّا توجيه القولين في أنها تصير مدركة للظهر بماذا ؟ فوجه قول من قال : يكفي فيهما مقدار ركعة أو تكبيرة أن الغرض إِدراك وقتٍ مشترك ، وليس المطلوبُ إِيقاعَ الصَّلاتين وجوداً في الوقت ؛ فإِنها لو حاولت ذلك ، لم تتمكن من إِقامة الظهر في وقت العصر ، والمقدار الذي ذكرناه يحصل بإدراك مقدار ركعة فما دونها . ومن قال : لا يحصل الإِدراك إِلا بمقدار ركعة وزيادة ، اعتلّ بأنا إِنما جعلناها مدركة للصلاتين تمسكاً بالجمع وحملاً على الجمع ، فلتدرك زماناً يتصور أن يقع صورة الجمع فيه ، وذلك بوقوع صلاة تامة في الوقت وبعض الأخرى . فإن حكمنا بأن الرّكعة فما دونها تكفي ، فلا كلام ، وإِن شرطنا أربع ركعاتٍ وزيادة ، فالركعات في مقابلة صلاة الظهر ، والزيادة في مقابلة صلاة العصر ، أم الأمرُ على العَكس من ذلك ؟ قولان مخرّجان من معاني كلام الشافعي : أصحهما - أن الركعات في مقابلة صلاة الظهر ؛ فإنها الصلاة الأولى ، ولو فرض الجمع ، لكانت البداية بصلاة الظهر على الرأي الظاهر ، ولو أدركت مقدار ركعة فحسب ، لأدركت العصر ، ولم تدرك الظهر على القول الذي نفرع عليه ، وإِذا كانت تدرك العصر بركعة

--> ( 1 ) ر . حاشية ابن عابدين : 1 / 197 . مختصر اختلاف العلماء : 1 / 262 مسألة 214 .